أدب قضاء - فيما للقاضي وما عليه
زهران بن ناصر البراشدي/ القاضي بالمحكمة العليا مسقط -
فيما يخص القاضي من آداب «التنفيذ» لا تقل آداب التنفيذ التي يؤمر القاضي بمراعاتها أهمية عن تلكم الآداب التي سبق ذكرها إن لم تكن هي الأولى بأن تراعى فيها الحقوق والواجبات والأخلاق؛ إذ أن التنفيذ فيه تقييد لحرية المنفذ ضده إما في المال أو النفس أو فيهما معا، إلى غير ذلك من سائر الأمور التي يشملها التنفيذ، وكذا الحال في حق الطرف الآخر صاحب الحق المنفذ له، ولما كان الأمر كذلك فلا بد من اتباع ضوابط في ذلك توصل صاحب الحق إلى حقه، وترد المعتدي إلى حظيرة الصواب في الحدود التي رسمتها الشريعة الغراء، وترجمتها النظم الحديثة كي لا يضام أحد على حساب الآخر، فإذا ثبت الحق للمدعي وحكم القاضي به، وجب إيصال كل ذي حق إلى حقه، فعلى سبيل المثال ففي الحقوق المالية إن طلب صاحب الحق تسليم حقه أو حبس غريمه لم يحبسه وأمره بدفع ما عليه، فإن امتنع حبسه، فإن ادعى أنه معسر فهل يحبسه ويطلب البيان أم يخلي سبيله؟ خلاف بين الفقهاء في ذلك؛ مبني على قاعدة: «هل الأصل اليسار أم الإعسار؟» فعلى القول: إن الأصل اليسار يحبس حتى يأتي ببينة على الإعسار، وعلى القول: إن الأصل الإعسار لا يحبس، وعلى مدعي اليسار البينة، وقيل: بالتفصيل إن قال المدعي: هو ميسر وهو يقول: أنا معسر، فإن كان القاضي يعرف يساره، أو كان الدين بدل مال كثمن مبيع أو قرض، أو حق التزمه كالمهر والكفالة وبدل الخلع ونحوه؛ حبسه حتى ينفذ ما عليه، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا ادعى الفقر، إلا أن تقوم البينة أن له مالاً فيحبسه، فإذا حبسه مدةً يغلب على ظنه أنه لو كان له مال أظهره، وسأل عن حاله فلم يظهر له مال خلى سبيله، لقوله عز وجل: «وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ».
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله».
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يظله الله عز وجل في ظله فلينظر معسرا أو ليضع عنه».
وقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة» وقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة».
وفي المقابل قوله صلى الله عليه وسلم: «لَيَّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته.» والمراد به امتناعه عن أداء ما عليه بغير عذر. «يحل عرضه» أي يجيز للدائن ذكره بالظلم وشكايته عند الحاكم، وعلى الحاكم الإنصاف منه وله عقوبته، وقد استدل بهذا الحديث للأمرين معا، أي جواز ذكر القادر على الأداء الممتنع منه بالظلم، وعقوبته على نظر الحاكم، وعدم جواز ذلك في حق المعسر، فكما أن إنظار المعسر واجب وإلزامه والتحايل عليه ظلم فمطل الغني ظلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «مطْل الغني ظلم».
وقوله «لزوم الفقير حرام»، والمراد بلزوم الفقير: التضييق عليه في طلب الدين، فإن من لزمه في ذلك مع العلم بأنه لا يجد الوفاء فقد آذاه وضيق عليه وأذله، وفعل ذلك في المعسر حرام. ويضرب له أجلا للاكتساب ويفرض عليه من كسبه..
وقد نظم قانون الإجراءات.. «إجراءات التنفيذ» في الكتاب الثاني المواد 334 فما بعدها. في مجال تنفيذ الحقوق الأسرية كالحقوق التي بين الأصول والفروع وحقوق الرحم وحقوق الزوجين وإخضاع كل منهما للآخر - سواء لحسن العشرة وأداء الحقوق التي بينهما والإمساك بالمعروف، أو التسريح بالإحسان؛ إن أدى الأمر إلى ذلك - فهنالك آداب وقواعد يجب مراعاتها في التنفيذ، وكذا في حال رؤية الصغير المحضون وزيارته، وقد أفاضت كتب الفقه في الحديث عنها، وطبقتها النظم الحديثة، ولا بد من مراعاتها والأخذ بمقتضاها.
